الجمعة، 9 سبتمبر، 2016

عن مسرحية اسمها "مصر"



جزء من مشكلتنا أو أزمتنا أو خرانا المصري الطافح - آه المصري ودي مش عقدة خواجة للأسف- هي خطاب الاستضعاف وجو الصعبانيات وعدم المواجهة المباشرة والصريحة، آه يا جماعة إحنا مش واقعيين وبنحب نتكلم ونهري ونجادل ونضحك على دقون بعض، اللي بتوصلنا دايما لنفس الحارة السد من العزلة والخلاف وتضييع الوقت ونرجع من تاني للمربع صفر، ده على مستوى السياسة أو كل خطوة أو قضية في إطار المجال العام، سواء بين الطرف الواحد جوه نفس الخندق أو مع أطراف اخرى في خنادق تانية أو مع الدولة أو مع المجتمع بشكل عام..

.
في سياق الدعم القانوني مثلا، الكلام ده ممكن يتطبق بمنظور أوسع في فرض الدولة لروايتها القانونية والإجرائية في التعامل في ملف القبض على خلفية سياسية، الدولة بتفرض رواية إن "كله بالقانون وبالمستندات" وده بيتستف بالورق فعلا، "مفيش حاجة اسمها سجين سياسي" وده حقيقي على الورق، "مفيش حاجة اسمها اعتقال" وهو اتلغى بموجب إلغاء قانون الطواريء، ولسه إحنا عمالين لسنين نتخانق مع الدولة على استخدام مصطلح "معتقل" اللي خلاص انتهى وبح، خناقة شكلية غير موضوعية هامشية ملهاش أي معنى، اسمه معتقل ولا سجين ولا زعبولة مش فارقة، ما هما ممكن يرجعوا قانون الطواريء بكرة ويرجع مصطلح "اعتقال" عادي جدا وبالقانون برضه.. مثلا برضه النيابة معروف عادي جدا إنها بتستأنف على الاستئناف، سواء ده إجراء قانوني أو مخالف للمادة 167 من قانون الإجراءات الجنائية، بس الناس النشطة بالمجال العام لسه بتتفاجيء وبتندهش بعد أربع خمس سنين من فرضه بقوة الأمر الواقع من أيام مرسي، وكل مرة هيتم استئناف لاستئناف هنلاقي نفس الولولة "يا خبر أبيض إزاي كده يا نيابة يا وحشة بتستأنفي ده خرق واضح للقانون والدستور ومعرفش إيه".. خلاص لغة الدولة القانونية والإجرائية مفروضة وجبرية واقعيا لإن الإجراء والقرار تحت إيديهم، وإحنا كحركة دعم قانوني بنخضع ليها مباشرة وبنمشي حسب مساراتها، فمفيش إمكانية نفرض خطابنا ولغتنا الخاصة، لكن ممكن نفرض خطاب تاني زي "مقبوض عليه أو متهم أو محبوس على خلفية أحداث سياسية" ونفكر في خطوة موضوعية متقدمة عن خناقة الاصطلاحات.. الناشطين عارفين والسوشيال ميديا عارفين والمجتمع عارف أو غير مبالي والدولة عارفة، بس يالا يا جماعة نفس الخطاب الاستضعافي المهلهل المستهلك وجو البكائيات من جديد..
.
في السياق والخطاب المفروض بشكل عام من قبل الحركة السياسية في مصر سواء اليسار أو الليبراليين أو الإسلاميين (اللي هما مش يسار ولا ليبراليين ولا إسلاميين بالأساس بس بيقولوا كده على نفسهم وده سر الخلطة المصرية)، خطاب "الحرية للبنت الضعيفة أو الطفل البريء أو الراجل العجوز أو المريض"، لكن مش الذكر البالغ زي مقال قديم لأبو الغيط اللي بينتفض في الحتة دي أو مقال "الكل يعلم" لعلاء عبد الفتاح في سياق قريب، يالا يا جماعة بنخاطب المجتمع وعايزين حتة استعطاف ومظلومية - حتى لو خارج الإيمان والقناعة بالمساواة والحرية للكل- نخرج دول وبعدين الباقيين، وبعدين أنا عايز أفهم أمال مين اللي بيتظاهر وعايز يغير (منبهر جدا بموقف سناء سيف في قضية الاتحادية وقضية إهانة موظف عام)، ولو عايز تلغي قانون التظاهر مثلا أمال مين نازل ويفرض ده على أرض الواقع.. وآه يا جماعة أنا مش فاهم قانون والاعتراف بيضعف الدفوع ومعرفش المحامي بيعاني أد إيه عشان يثبت براءة موكله، مفيش أصلا حد اعترف قبل كده وخرج أو اللي معترفش واللي اعترف عمرهم ما بياخدوا نفس الحكم.. يالا يا جماعة كله يطفي الأنوار وهنبني لوكيشن مسرح، هنجيب شخص حقوقي أو سياسي أو محامي ومعروف للكل إنه معارض وعايز يغير، قدامه جهات الدولة الرسمية، ونجيب شوية جمهور كرأي عام، والشخص ده يعرف كويس صاحبه أو مش صاحبه المحبوس والحضور عارفينه كويس، بس ندخل في خناقة " ده ملوش دعوة بالمظاهرة والسياسة" أو "ده مريض وبيكح دم دلوقتي طلعوه بقى" أو "دي بنت مسكينة أو طفل بريء"، ومفروض الجمهور يعيط أو يضحك وهو أصلا بياكل فشار ومش باصص، ومفروض الجهة الرسمية - اللي هي مخصصة ناس معينة منها بالاسم تقف على الإستيدج وعارفين كل حاجة- جايز تقتنع أو ترضخ للضغوط وتعفو عنه، والكل عارف إن الكل بيمثل، بس يالا يا جماعة هنعمل إن ده بجد..
.
بالنسبة لليسار الحقوقي تحديدا، بندعم حرية المعتقد أو الحريات والحقوق الشخصية علنا بس مينفعش نقول ع النت إننا بندعم الطريق ده لآخره، يعني حرية المعتقد فهندعم الإلحاد بشكل مباشر والحريات والحقوق الشخصية فهندعم الحريات الجنسية بشكل مطلق بما فيها المثلية مثلا، بس لو فيه ملحد اتقبض عليه أو اتنين بيمارسوا الجنس بالتراضي على الخاص مش هنعلن الدعم، لكن هنبعت محامي أو باحث -في الخبيني - يتابعهم ونكتب خبر أو تقرير عنهم، ممكن آه وممكن لا حسب الظروف بقى.. ده كله رغم إن الناس عارفة كده، الناس دول مين؟ فيه تلات طبقات محورية؛ الدولة وهما عارفين كده بالفعل ومراقبين كل حاجة تحت سيطرتهم، وفيه الناشطين والمختلطين بالمجال العام بمختلف سياقاته ودول متابعين الدنيا من قريب أو من بعيد، وفيه المجتمع اللي ملوش دعوة بالمجال العام ولا مهتم يتابعه وآخره يسمع حلقة تليفزيونية عبارة عن تقرير أمني بتشتم في الناس الكوخة دي سواء سياسيين أو حقوقيين وخلافه بتفاصيل مباشرة عن ده أو في سياقات أخرى لكن المجتمع ده مش هيتأثر بحاجة ومش في دماغه أصلا لإنهم مش على خريطة البلد.. من ١٠-١٥ سنة لسه شكل ونمط التقارير واللغة والإطار الحقوقي هو هو، المجتمع اتغير تماما في الخمس سنين الأخيرة، ولسه الكل واقف في نفس الحيز (مثلا الجيل الأصغر مني بخمس سنين فيما أكثر مبقتش عارف أتواصل معاه أو أفهمه بسهولة)، ووصل لمرحلة من التقوقع والعزلة إن في قعدة على تربيزة واحدة على القهوة هتلاقي تفاوت واسع بين الخمسة ست شباب الموجودين بس كل ده بشكل موارب وضمني، ولسه الناس بتعلن عن دهشتها واستنكارها لما بيحصل موقف يبين إن ولد أو بنت مثلي/ة و"يع وكوخ وإزاي كده إيه الخرا ده" رغم إنهم عارفين ده كويس قبل كده، عادي جدا.. وبالمناسبة ده ملوش علاقة بإشكاليات الإطار والشكل القانوني أصلا اللي هو فيه تناقضات وتعددية كبيرة وانفتاح في سبل المواجهة الإطارية، والدولة والأمن عارف كل ده بالتفصيل الممل، بس هما عندهم أوراق ضغط سياسي ومجتمعي معينة بيلعبوا بيها ومش قادرين يجازفوا بخسارة سياسية ودولية ضخمة بقفل كل حاجة، ولو هيقدروا مش الخطوة دي اللي هتسرع أو هتبطأ حاجة..
.
نفس الكلام مثلا على الإشكاليات الأساسية اللي بتواجهه اليسار الحقوقي وبالأخص الحركة النسوية، اللي ليل لنهار بيجادلوا في "خيار الخاص ولا العام ومعرفش إيه"، يا جماعة دي مش المشكلة الرئيسية وفيه إشكاليات أكثر جدوى في رأيي، مثلا الخطاب الاستضعافي ومركزيته الشديدة، كل الأفكار والقناعات بتلف وتدور جوه قوقعة ودواير محددة، اللي هي الأصحاب على القهاوي والكافيهات واللي عندهم على فيسبوك - للي متوافق مع الأفكار والأهداف والسياقات- محدش بيفكر إزاي يطلع بره الدواير دي وآخرها شوية زيارات وورش ومحاضرات وقوافل شديدة المركزية في كذا محافظة، وفي الآخر الخطاب كله محدد ومركز جدا وبلغة استضعاف ومظلومية بحتة، يعني مثلا فيه فرق ضخم بين لغة "البنات ضحايا وكفاية بقى يا مجتمع يا ذكوري يا متعفن ويا دولة يا ذكورية" وبين لغة "انتي قوية ليكي قرارك واستقلالية اعرفي وافهمي دي حقوقك ودي نماذج من الألف للياء اللي عايزه تعمليه اعمليه هاتي إيديكي".. فيه فرق بين إني بخاطب الطرف الأقوى المتسلط اللي هو الدولة أو الذكر بشكل عام اللي هو مش هيغير رأيه وقناعاته أصلا، وبين إني أخاطب الطرف الضعيف اللي هو البنت نفسها.. وفيه فرق تاني بين لغة الخطاب نفسه، المظلومية والضعف والولولة، ولا القوة والتحدي والإصرار، طبعا مدعم بشغل سياسة مع الدولة والمجتمع لما تبقى فيه مكاسب واضحة على الارض.. فيلم زي Milk 2008 اللي حارب -مجازا - دعما لاختياره أو طبيعته الجنسية جوه مجتمع سبعينات أمريكا نموذج لإزاي تبني حركة واقعية وفعلية متمددة ع الأرض لأقلية عكس تيار ورغبة مجتمعية عامة خلال فترة زمنية وجيزة، وإلا كل واحد هيفضل كده في نفس السياقات والخطابات ويعيش شوية ويموت ولا هيعمل أي حاجة ولا هيبقى فيه أي تغيير..
.
وبرضه نفس السياق بالنسبة للإسلاموية الحقوقية، إحنا مش هنقدر نعلن بشكل صريح عدم دعمنا لحد معين من الحقوق والحريات زي حرية المعتقد والحريات الجنسية وخلافه، ولما حد مننا يعلن إنه ضد الإلحاد، الأطياف التانية فجأة بتتفاجيء "يا لهوي يا خرابي إزاي كده أمال حقوقيين إزاي" ، والأطياف اللي في نفس خندق الإسلاموية الحقوقية نفسها بينقسموا نصين، نص بيدعم ونص بيطلف الجو ومش وقته وبتاع، مجموعة البشر دول يهروا فترة على ده وبعدين ننسى أو ننشغل في بلوى تانية ويالا نكمل حياتنا.. وطبعا فيه ناس هتسيب ده، وتقول مفيش حاجة اسمها يسار حقوقي إحنا حقوقيين، ومفيش حاجة اسمها إسلاموية حقوقية إحنا حقوقيين، انت عبيط يله..
.
في السياق السياسي نفسه، "الإخوان باعونا في محمد محمود، الوحشين، دم الشهداء والنضال في رقبتهم، لازم ناخد موقف منهم للأبد" ، و"اليسار والعلمانيين وبتوع سونيا باعونا في رابعة، الوحشين، دم الشهداء والنضال في رقبتهم، لازم ناخد موقف منهم للأبد".. زي موضوع استخدام مصطلح "شهيد" على طيف معين من اللي بيموت، ومصطلح "قتيل" على نوع تاني، والناس تقعد تتخانق ليل نهار على مين صح وهما بيعملوا نفس الحاجة بشكل ما أو بآخر بدون وعي، حاجة قمة الازدواجية، ونمسك في شوية سرديات شكلية عقيمة بغض النظر عن الموضوع.. أنا مش بحط المواقف كلها في إطار واحد، ومش بطرح حلول ولا تنظيرة سياسية ما، بس عايزين نتجاوز مرحلة "المرثيات على أطلال الثورة" - اللي هي مستمرة على فكرة بس بسياق مختلف- دي بقى.. إحنا كتير من كل طرف ولون وعايشين هنا على الأرض دي، وللأسف مفيش فرصة إن الطرف أو اللون التاني يختفي من البلد فجأة بحسبة إحصائية وواقعية بحتة، عايزين نطرح حلول واضحة وصريحة، أو كل واحد يقعد يعيط ويلطم في جنب على اللبن المسكوب، وفي آخر الليل الناس تكتب بوستات "يا خسارة توهنا وضيعنا، يا ترى مين ضيعنا؟"..
.
حتى على المستوى الشخصي، زي فكرة "مصر كوخة وناسها وحشين وهنموت منفجرين فين النيزك بقى"، وهو نفسه لغة "ياااه انت قديم هو فيه حد لسه بيحب مصر ده المين ستريم دلوقتي كده طب شكرا يا مصر"، يالا بسرعة كله يكتب بوستات وآخرها "شكرا مصر" ، وفي وقت أي نجاح محلي أو دولي باسم مصر أو لمصري بشكل شخصي - مثلا مصري يكسب في الأوليمبياد- تلاقي نفس الناس منشكحة وفخورة فشخ سواء بتعلن ده أو من جواها ويناموا مبسوطين ومرتاحين البال.. يا جدعان شوية اتساق، مصر وحشة والبلد تتحرق بجاز باللي فيها ولا إيه بالظبط (ده غير اللي هيسيبوا ده وينظروا عكسي على القومية والدولتية ومعرفش إيه وكل دي مرات اتذكرت فيها كلمة "مصر").. دي مش حاجة وحشة يا سيدي، لو مصر كوخة عادي جدا، كلنا بشر زي بعض وبنفكر بشكل مختلف تماما عن بعض.. بتكره مصر؟ بسيطة، سيبها وخد جنسية تانية، واللي عايز يسافر هيسافر لو هيتحرك بجد ومش هيدور في نفس دايرة الصعبانيات والبكائيات، لكن كل واحد بينشط في المجال العام وعايز يغير أو يؤثر جوه المجتمع أو الدولة لازم يدرك إنه بيحب مصر - مش الحب الأفلاطوني وأحب هوائها ونيلها وكدهون- ومش عيب يقول كده ع النت..
.
مصيبتنا الكبيرة حقيقي "جو اللف والهرتلة وبيع الكلام والضحك على الدقون"، مفيش مواجهة مباشرة ولا صراحة، مفيش أدنى واقعية، دي غير مرحلة الشغل والتنفيذ، عشان كده هنفضل مشتتين متشرذمين زي ما إحنا وبنرجع لورا، مش هنعرف نلاقي حلول ولا تغيير ملموس وفعلي جوه المجتمع.. أنا معرفش إيه الأسباب التاريخية والمجتمعية اللي زرعت الخرا ده في الأدمغة والوعي الجمعي العام، لا هنعرف نتعايش مع بعض أو نلملم أي جروح أو نوصل لحلول أو تغيير لإننا مش قادرين نقول بشكل صريح "أيوة يا جماعة أنا كده وده آخري وانت كده وده آخرك يالا نفكر في صيغة للتعايش والتفاهم".. أنا مبقولش إني عندي الحل أو الوحيد الصح، بس بقول يا جماعة نحط إيدينا على مشكلتنا كلنا اللي كل واحد بيشوفها في التاني وبس ونتجاوز المرحلة دي لإننا كلنا ملطوطين فيها..
طبعا البوست هيتعامل في كذا سياق، منهم مثلا سياق "انت مين أصلا يا بني ولا إيه تاريخك وحضارتك ولا إيه قراياتك وثقافتك عشان تقول ده طب خد"، وسياق "انت فاكر نفسك الوحيد اللي صح شغل المنظرتاية بقى"، وسياق ضمني "إيه الخرة المكتوب ده هنحطه في دماغنا الواد ده"، وسياق " أيوة عارفكوا يا بتوع المصالحة في الخباثة لن نبيع ولن نركع"، وسياق "ده سياق وتيمة فيسبوكية شهيرة وعارف البتوع دول قديمة مفيش أمل" ، وسياق "اه والله كلنا فاشيين ولايك وشير وسلامو عليكو" ، وأي سياق تاني، المهم منحاولش نفكر لحظة في "ماذا لو أنا نفسي ماشي غلط أصلا!!!"


أحمد عاطف

تم النشر هنا يوم 26 أغسطس 2016

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق