الخميس، 12 سبتمبر، 2013

لحظات .. في مسار بطلة اخري ..





*** اللحظة الاولي : محيط سفارة إسرائيل -  بعد فجر يوم 10 سبتمبر 2011

- كانت الشمس قد بدأت في البزوغ , وما تزال الاشتباكات مندلعةً منذ قرابة الست ساعات بين قوات الأمن والجيش مع متظاهرين بمحيط السفارة الإسرائيلية بالقاهرة .. كانت تلك الفتاة ما زالت صامدةً مع عشرات قليلة من شباب ثائر أمام القوات المتحفزة .. بدأت الفتاة في الإنهاك التام بعد فقدانها الوعي عدة مرات من أثر قنابل الغاز القوية المفعول , فتعود مرة أخري إلي الصفوف الأولي بعد إسعافها , محاولةً إعادة القنابل مرة أخري تجاه الأمن حيث لمست - ولأول مرة - مدي وحشيته في التعامل مع المواطنين ..

- لم تكن تتخيل تلك الفتاة نفسها أن تصل إلي هذه المرحلة في يوم من الايام وجهاً لوجه أمام قوات الأمن من أجل فكرة .. أسترجعت سريعا ذكرياتها حيث زواجها منذ عدة سنوات وإنجابها طفل – أغلي ما تملك – وعلاقتها المتأصلة مع والدتها وأهلها .. لم تفكر يوماً الفتاة في المشاركة في تلك الأحداث السياسية أو الثورية , ولكن كيانها ارتج مع قتل الجنود المصريين علي الحدود علي أيدي العدو الإسرائيلي ..

- تذكرت أول علاقة لها بتلك الفعاليات عندما مرت في منطقة قريبة من منزلها في أواخر رمضان لتجد اعتصاماً أمام سفارة إسرائيل , شعرت هناك باجواء وروح جميلة وجديدة عليها , ما لبثت أن أصبحت دائمة المرور عليه .. ثم استعادت ذكري بداية اليوم بنزولها إلي مقر السفارة مع دعوات هدم السور العازل , وتسلق ذلك الشاب الذي يدعي أحمد الشحات للمبني ونزع العلم .. وتذكرت أيضاً صعودها المبني من داخله مع بعض المحتجين حيث خرج فجاة شخص ما يرتدي زي عسكري بلون أزرق من أحد الأدوار ليضربها بكوعه بكل وحشية فتدافع عن نفسها , وتستكمل طريقها إلي أعلي لتفريغ غضبها الطبيعي ..

*** اللحظة الثانية : مدخل قصر النيل بميدان التحرير – منتصف ليل يوم 17 نوفمبر 2011


- كان الظلام حالكاً أثناء توجه الفتاة إلي ميدان التحرير - قبلة فؤادها - بعد أن وصلتلها أنباء عن إقامة اعتصام جديد به تنديداً بحكم المجلس العسكري , حيث قد دعا إليه حازم أبو إسماعيل .. عند مدخل قصر النيل كانت هناك حواجز ولجان شعبية من ملتحين , فطلب أحدهم بطاقتها وكان يعتقدها ولداً من هيئتها , حيث كانت ترتدي كاباً وشعرها قصير وتلبس بنطلوناً برمودا , وعندما علم أنها أنثي رفض دخولها بحجة أنه لا مكان للسيدات داخل الاعتصام فحدثت مشادة كلامية بينهما , ثم قام رجل ملتحي آخر بوضع يده علي كتفها - وكأنه سيفهمها أمراً ما – ولكنها سرعان ما أدركت نيته الغير سوية فقامت بلوى ذراعه بسرعة , وآنذاك كان قد قدم اليها رفاقها من داخل الاعتصام ليتعاملوا مع الأمر ..

- كانت الفتاة لا تحتمل مزيداً من المشادات , فكانت تعاني بالفعل في تلك الفترة من إنفصالها عن زوجها وبعد ابنها عنها وخلافات أسرية مع والدتها , ولكنها كانت قد أدمنت ميدان التحرير .. مرت في خاطرها سريعاً ذكريات مشاركتها في مليونيات متتالية منذ أحداث سفارة إسرائيل وبياتها عدة ايام متيقظة تتفقد الأجواء بالتحرير وتعتني به وكأنه جزء منها ..

- لم تكن تدرك الفتاة بعد تلك الليلة الجديدة بالميدان التي أصرت فيها علي الاعتصام بعد انسحاب أبو إسماعيل وأنصاره منه , حيث بيتت مع عدد قليل من المعتصمين ومصابي الثورة – ستتحول إلي أكبر ملحمة في الثورة بعد فض الاعتصام بالقوة صباح اليوم التالي .. فقط هي اعتصمت لانها آمنت بفكرة وهدف ولن تتراجع عنه ..

*** اللحظة الثالثة : محيط مبني الضرائب العقارية بشارع منصور – مساء يوم 3 فبراير 2012


- كان الليل قد حل خلال ثاني ايام أحداث محمد محمود الثانية بعد مذبحة بورسعيد , كانت الفتاة في الصفوف الأولي حاملةً شنطة إسعافات أولية وترد قنابل الغاز المندفعة نحو الثوار , ثم لمحت شخصاً ما بأعلي سطح مبني الضرائب العقارية بشارع منصور .. نبهت رفاقها إلي ذلك ولكن فجأة ألقي الامن عدة قنابل علي الصفوف الأولي لترتد الحشود إلي الخلف .. وبعد انحسار الغاز فوجئت بدخان كثيف يتصاعد من دور علوي بمبني الضرائب , فاندفعت مع رفاقها إلي الباب وبدأوا في الطرق بقوة , ثم دوت فرقعة زجاج بطابق علوي وتصاعدت ألسنة اللهب من النافذة .. انضم اليهم الكثيرون حتي تم كسر الباب لعلهم يتداركون الحريق .. قام بعض الشباب بعمل سلسلة بشرية بعد أن صعد عدد منهم ومنعوها من الدخول رغم محاولاتها المتكررة ..

- خلال تلك اللحظة من الكر والفر , كانت الفتاة تسترجع ذكريات الفترة الماضية بعد عدة اشتباكات سقط فيها عشرات الشهداء .. تذكر الفتاة جيداً خلافات يوم الذكري الأولي للثورة حيث كانت تريد قصاصاً لا احتفالاً .. ثم حدثت مذبحة إستاد بورسعيد بمؤامرة دنيئة من الداخلية والعسكر - التي رجت روحها رجاً حتي انضمت إلي المسيرة المتوجهة عصراً إلي وزارة الداخلية حيث نشب الاشتباك بعدها ..


- في ذلك الحين أثناء وقوفها أمام مبني الضرائب , سقطت قنبلة غاز أمامها مباشرة لتفقد الوعي وينقطع حبل أفكارها ويتم نقلها إلي مستشفي ميدانية قريبة .. لم تكن الفتاة تعلم أنه تم التقاط صورة لها وهي تطرق بقوة باب مبني الضرائب أثناء احتراقه ستستخدم في الصحافة كدليل إدانة ضد المتظاهرين , لتكون مثار حديث طويل مع من يعرفونها ..

*** اللحظة الرابعة : أمام دار القضاء العالي – ظهر يوم 6 يونيو 2012


- كان وقت الظهيرة عندما تلقت الفتاة استغاثة من ذلك الشاب الرفيع الذي قدم هرولةً إلي ميدان التحرير مستنجداً بالمعتصمين لإنقاذ الثوار الذي تم ضربهم واحتجازهم داخل دار القضاء .. بسرعة توجهت الفتاة مع عشرات الشباب إلي هناك , حيث كانت اشتباكات تدور بمحيط المكان وينتشر فيه اشخاصٌ يرتدون زياً اسوداً يشبه زي الأمن , مما أدي إلي تراجع أغلب من كان معها , ولكنها تقدمت بثبات ووقفت أمام دار القضاء مطالبة باستعادة الثوار المحتجزين داخله ..

- فجاة انقض عليها شخص قوي البنية من الخلف وهاجمها اثنان آخران من الأمام أحدهما يرتدي الزي الاسود , ليبدأ الكل في ضربها بكل قوة .. قاموا بسحبها علي بطنها سحلاً وركلاً إلي داخل مبني دار القضاء , حيث كانت بطنها تحتك بالسلالم صعوداً .. قاموا باحتجازها داخل مكتب في الدور الأرضي ليستلمها مجموعة أخري بالضرب والتنكيل بها  بالأيدي والأرجل والعصي والكشافات مع  أقبح الشتائم , حتي وصل باقي المحتجزين وهم متهالكون من الضرب ..

- عادت بذاكرتها كيف وصلت لذلك الموقف , اعتصامها بالتحرير كان رفضاً قاطعاً منها للحكم الهزيل في قضية مبارك , وتوجهها إلي دار القضاء كان استجابة لاستغاثة ذلك الشاب الرفيع من أجل مباديء الحرية والكرامة ودعم حقوق المظلوم التي لم ولن تتراجع عنها , ولم تكن تعلم حينها أن هذا الشاب سيتم اعتقاله هو أيضاً فيما بعد , ويكون رابع متهم في قضيتها المشئومة ..

*** اللحظة الخامسة : قاعة 5 بمحكمة شمال القاهرة بالعباسية – ظهر 21 اكتوبر 2012

- كانت تلك جلسة النطق بالحكم بمحكمة العباسية بعد عدة جلسات متوالية لاستئناف الحكم بحبسها عامين .. كان تحلم بالبراءة بعد 4 شهور ونصف حبس ظلماً لتعود إلي ميدانها وابنها وأهلها .. تأملت جوانب القاعة حيث كانت والدتها وأختها الصغيرة وبعض المتضامنين ممن يحضرون الجلسة لدعمها مع المحامين الحقوقين بعد دفاع مستميت في تلك القضية المهلهلة .. نظرت فى العيون البريئة لهؤلاء الثلاثة شباب المتهمين معها في نفس القضية , والتفتت إلي الثلاثة وكلاء نيابة المفصولين الذين ظهروا فجأة وسط الجلسات كمتهمين معهم .. تساقطت الدموع من عينيها بغزارة وهي ترجوا الله في تلك اللحظة الفارقة ..

- استرجعت الفتاة سريعاً ذكريات تلك القضية المشئومة , والتي جائت وسط أمواج من الأحداث المتلاطمة في البلاد , فلم يتمكن أحد من تفاصيلها ومساندتها .. راجعت الفتاة في عقلها خيوط قضيتها حيث أنها أتهمت بضرب الأمن وتكسير نوافذ مبني دار القضاء واستعرضت القوة والبلطجة بتحريض من وكلاء النيابة المفصولين - الذين لا تعرفهم - ممن أقاموا اعتصاماً أمام دار القضاء حيث حدث الاشتباك , وتم الحكم عليهم خلال فترة وجيزة بالحبس سنتين وشهر .. تذكرت الفتاة أيضاً لقائها العابر مع ثوار آخرين معتقلين بحجز قسم الازبكية بعد القبض عليها بفترة , عرفتهم قصتها ليخرجوا ويحاولوا حشد المتضامنين بقدر استطاعهم في جلسات الاستئناف ..

- انقطعت ذكريات الفتاة مع النطق الصاعق بالحكم بتأييد الحبس عامين مع الثلاثة شباب الاخرين , وبراءة وكلاء النيابة أصحاب الاعتصام والقضية المتهمين بتحريضهم علي الاشتباك .. !! انهارت الفتاة باكية وهي تنظر نظرات زائغة إلي أهلها ومتضامنيها ومحاميها , تأملت القاعة وأرض الشارع طويلاً وهي تعلم أنها لن تطئها قدميها مرة أخري لفترة طويلة ..


*** اللحظة السادسة : زنزانة 7 جرائم نفس بسجن النساء بالقناطر – ظهر 11 سبتمبر 2013

- كان ذلك الصباح المتكرر الذي يمر علي تلك الفتاة داخل زنزانة 7 جرائم نفس بسجن القناطر , لم تعد تشعر بمرور الأيام بل حتى مرور الساعات والدقائق .. حياتها وأهدافها وعلاقاتها السابقة أصبحت مجرد ذكريات وأفكار متجمدة تجول في طرقات عقلها , لا يمكن أن تخرج إلي أرض الواقع .. رغم معاملتها القاسية أحياناً من بعض السجينات أو السجانات , ولكنها أصبحت جماد لا يشعر لا يمكنه أن يعترض أو يصرخ ..

- تذكرت محاولتها اليائسة لعد الايام أثناء جلساتها بمحكمة العباسية .. تذكرت إحساسها مرة بأمل وهمي بأحتمالية خروجها بعد مرور نصف المدة , حتي تلاشي تماماً مع تعنت الرئيس المعزول محمد مرسي وإهماله قضيتها .. تذكرت تمسكها بأمنية بعيدة بالإفراج عنها بإعتبارها من معتقلي الثورة , حتي تبددت برفض النائب العام طلعت عبد الله القاطع لطلبها .. أصبح كل المتبقي لديها عبارة عن أحلام واهية بقبول طلب أخير بوقف تنفيذ الحكم – إستشكال - والذي يتم تاجيله من جلسة إلي اخري بلا أدني رحمة .. استرجعت كل أفكارها عن حلم خروجها واستكمال الثورة مع الرفاق ضد كل من ظلم وطغي .. هدأ زخم عقلها تدريجياً واستكانت فى مكانها مستسلمة لقضاء الله ومصيرها الحالي ..

  

قضية معتقلى دار القضاء

- الفتاة البطلة هي ناهد شريف عبد الحميد – ناهد بيبو وابنها نور عمره 5 سنوات

- الشباب الابطال المتهمين معها .. هم اسامة صبري ومحمد عاطف وكمال محمد ( من استنجد بالمعتصمين في التحرير ) ..

- تحول هولاء الشباب إلي قصة كفاح معتقلين .. نضال ثورة من خلف القضبان .. حسب معلوماتي لم يحدث له مثيل بحبس اي شاب او فتاة فترة تتخطي العام منذ بداية الثورة في قضية لاحداث سياسية .. ناهد مازلت تقضي حتي الان فترة عقوبتها بسجن القناطر التي لن تنتهي قبل شهر يوليو 2014 والشباب يقضونها بسجن وادي النطرون , وامامهم اربع فرص – ربما قريبة او بعيدة - لتحريرهم ( قبول وقف تنفيذ الحكم – عفو رئاسي – الافراج عنهم في ثلاث ارباع المدة - قبول النقض وبدا جلساته ) .. ساندوهم وادعموا حريتهم ..




 




- ناهد بيبو .. وهى بتعد يوم يوم على مواعيد الجلسات.. منذ اعتقالها 6-6-2012..






- ناهد بيبو تكتب اغانى ثورية فى رسالة من داخل السجن بعد عام


- ناهد بيبو .. و
رسالة من داخل السجن بعد عام .. الى ابنها الوحيد نور 5 سنوات محرومة منه منذ عام.. ادعموها..




احمد عاطف

11 سبتمبر 2013