الخميس، 21 نوفمبر 2013

رأي شخصي وتحليلي حول أحداث الذكري الثانية لمحمد محمود




ممنوع دخول كلاب السيسي أو مرسي

* الجانب التنظيمي للتظاهرات وإحياء الذكري ( 18 و 19 نوفمبر )

من ناحية التنظيم يوم 18 نوفمبر بميدان عابدين:

- كان ليا شوية انتقادات بسيطة علي المنصة وإضائتها وترتيبات كلمات المتحدثين والسماعات والمحتوي العام بتاع اليوم, لكن مجمل اليوم كان رائع بتجميع عدد "كبير" من الشباب المعارض للقطبين "العسكر والاخوان" عبر أجواء ثورية في مكان بعيد عن أية محاولات لإفتعال أزمات وإفشال اليوم أو الدخول في اشتباك عبثي كثير بيرفضه.

من ناحية التنظيم يوم 19 نوفمبر بشارع محمد محمود والتحرير:


- من الناحية التنظيمية داخل شارع محمد محمود أو المسيرات كان رائع حتى لو كان فيه اراء معترضة علي توجهات سياسية أو أهداف أعلامية, لكن معجبنيش الصراحة فكرة إن محمد محمود بس للثوار وسايبين باقي الميدان لكلاب السيسي أو غيرهم يمرحو فيه, حتي لو اتفقت كل القوي عليه اللي في الآخر لا تمثل الثورة. ميدان التحرير كله ملك للثوار ومفيش حاجة اسمها هناخد جزء ونسيبلكو جزء وسيبونا في حالنا. وعجبني تصرف مجموعة أعلام الشهداء اللي قاموا بطرد كلاب السيسي من صينية لغاية المتحف.

- برضه ميدان التحرير كان عبارة عن عك, تواجد عدد من الإخوان والمؤيدين لمرسي ظهروا خاصة أثناء المباراة وممكن تشمهم وتلمحهم في مسيرات هتافات الاولتراس ومناهضة العسكر, تواجد عدد من الفلول ومؤيدي السيسي متشرذمين, لكن الأهم إن اليوم كان بتاعنا ومحدش قدر يعلن عن نفسه وسط عددنا الكبير وتنظيمنا وتوحدنا.

* الجانب المعنوي للتظاهرات واحياء الذكري ( 18 و 19 نوفمبر )

من ناحية الجانب المعنوي يوم 18 نوفمبر بميدان عابدين:

- المسيرة التي اقتحمت ميدان التحرير وقامت بتحطيم نصب "الدولة" التذكاري –اللي يعد عمل ثوري- كرمز لكسر قرارات وقوانين الدولة وحكومتها الفاشية باسم الثورة. ولأول مرة من شهور طويلة, الشباب المؤمن بالفكرة يمكثون ليلة في التحرير لاستعادة أجواء وروح الميدان مرة أخري.

من ناحية الجانب المعنوي يوم 19 نوفمبر بشارع محمد محمود والتحرير:

- كان في التحرير عدة آلاف من الشباب المعارض للقطبين غطوا ظهور أي هتافات أو توجهات أخري لأي مجموعات مخالفة وسطها, تكرار الهتافات ضد الطرفين ثبت الشباب المتجمهر علي المبدأ وكأن الناس بتلمس بعضها وبتلاقي نفسها وبتتجمع أرواحها بعد حالة الغيبوبة الأخيرة. أما شارع محمد محمود نفسه كان كله نقاء ثوري, ببساطة مش هيحس بقيمته وخلوده إلا اللي شارك في ملحمته. 

- أهم حاجة أنك بتلمس أجواء الثورة والميدان تاني بكل مزاياها وعيوبها, حسيت في التحرير إن فيه جيل جديد لسه بيتولد بأفكار جديد في العهد الرابع للثورة, بعد أجيال 28 يناير وجيل محمد محمود وجيل جيكا.

- أهمية الفعاليات دي مش توجيه الشارع للطريق الصح اللي لسه قدامه كتير, لإننا لسه بنتجمع أصلاً بعد حالة الغيبوبة اللي جت للشباب من اكتئاب وإحباط وملل ويأس وتشويش وعدم استيعاب للواقع, بس الاقل توحيد وتجميع الصفوف وإحياء الروح.

* الشعارات والأعلام

- الصراحة أنا معترض علي جرافيتي "مانيفيستو الشعب", لأول مرة في شارع محمد محمود نلاقي جرافيتي "سياسي", بعد محاولات سابقة مؤسفة لتسيس الشهداء علي جدران الشارع. رسالة "مجهزنهولك مغري" بليغة لفئات كتير من الشباب, بس كانت ممكن تكون أعمق وأنقي.

- أعلام الشهداء هي نفسها الأعلام التقليدية, وإن كنت بقترح نبدأ نركز علي أعلام شهداء آخرين غير المعروفين اسماً وشكلاً, من أول الثورة واحنا معندناش غير 30 40 شهيد بنلف حواليهم, دورنا نعرف نفسنا ونعرف الشارع بكل التضحيات اللي في الآخر كلها في مقام واحد, أيوة ننزل في كل المسيرات بأعلام كبيرة لشهداء محدش سمع عنهم ولا حد شاف اسمهم قبل كده, ايه المانع؟

- شعار الأصابع التلاتة نفسه –أو الخمسة- مش مقتنع بيه, لأنه بكل وضوح تم اختياره لتمييز الصف الثوري عن مؤيدي الشرعية, ومش لانه فعلا هو يعبر عن افكارنا ومبادئنا, وأصلاً مش مقتنع اننا نحصر نفسنا وافكارنا ومبادئنا في شعار أو رمز معين. هو ميزته أنه يجمعنا ويعرفنا بعض مؤقتاً لكن مش عاجبني أنه يبقي شعارنا الدائم.

- للأسف مفيش أهداف عامة محددة لينا حاليا. طبعاً إحنا أصلاً عمرنا ما اتفقنا علي هدف محدد, لأن ميزتنا إن كل واحد بدماغه وأراءه ومحدش بيوجهه, بس حتي مفيش مطلب ثوري قوي محدد وكلنا نلتف وراه زي مثلاً إقالة وزير الداخلية او أقالة الحكومة أو منع المحاكمات العسكرية للمدنيين. ومحدش يقول هننزل نثور ونسقط النظام وخلاص, لأنها عمرها ما اتحسبت كده وهدفنا حالياً أننا نخنق الدولة والنظام. لكن مثلاً لو فكرت إننا نعتصم في التحرير هيبقى ايه المطالب, اسال عشرة هتلاقي 10 أجوبة مختلفة تماماً.

* حركة كلنا جابر جيكا

- ظهرت خلال يوم 18 نوفمبر تحت اسم فعالية إحياء ذكري محمد محمود –اللي للأسف كانت تدشين لحملة تحمل اسم شهيد- وبرضه مقتنع أن مينفعش نقتصر الشهيد وتضحيته العظيمة علي حركة أو مجموعة أشخاص أياً كانوا. أصلاً مش مقتنع أن فيه حد علي وجه الارض يملك حق الحديث باسم دم الشهيد بما فيهم أهله وأصحابه المقربين اللي هما نفسهم ممكن كانوا بيختلفوا معاه أو رافضين أفكاره. أهله ورفاقه ممكن يقبلوا القصاص في دمه أو تعويض مادي أو معنوي. لكن الفكرة اللي نقلها الشهيد بتضحيته أعظم وأكبر من أي حاجة تانية.

- وكانت من الحاجات المؤسفة أننا نلاقي جمل وسط البيانات عن إحياء الذكري الأولي لأحداث محمد محمود الثانية (للشهيد جيكا) أو يوم 20 نوفمبر إحياء تاني لذكري محمد محمود الثانية (يوم إصابة جيكا). هي محمد محمود ملحمة واحدة 2011 وما عدا ذلك كانت اشتباكات عادية أو عبثية, وده لا يقلل من قيمة أي شهيد في أي واقعة لأن التضحية واحدة والفكرة واحدة. وكأننا بعد خمس ست سنين ممكن نحيي ذكري محمد محمود 2 مش محمد محمود 1. ولو سالت حد أصلاً عن أسامي شهيدين أو ثلاثة من محمد محمود مش هيعرفوا, عشان كده مهم فكرة الأعلام والتوثيق للصقها بذاكرة الشباب والناس.

* واقعة حرق العلم

- مكنتش موجود أثناء واقعة حرق العلم, بس مش هعيط علي علم عمره ما يختزل فكرة الوطن في حتة القماشة بتاعته, وأسيب دم ولاد البلد بيسيح ع الارض.

* اشتباكات عبثية ليها خسائر ومكاسب ( 19 نوفمبر )

- الاشتباكات العبثية اللي ممكن نقول بدأت من عهد مرسى ولسه مستمرة وليها طابع مختلف -عدم وجود أي مطلب لها- عن اشتباكات عهد المجلس العسكرى بما فيها العباسية. هي ليها خسائر زى أى واقعة اشتباك شهداء ومصابين ومعتقلين. واللي أنا مقتنع بيه إن كل واحد موجود وقت اشتباك هو بيتحمل مسئولية نفسه وقراره. وأصلاً فيه فرق بين مسئولية "حشد تظاهرة" ومسئولية "إفتعال اشتباك" اللي شايف برضه كلاهما ملوش علاقة بأي حد قرر يتواجد ويشارك في الاشتباك.
- الاشتباكات العبثية رغم خسائرها بس أحياناً لها مكاسب معنوية لفئات من الشباب أهميتها من الآخر "تف في وش الحكومة وكسر عين الداخلية والدولة والبعض بيعتبرها زي معارك استنزاف النظام", وهنا لأول مرة تصطدم مع النظام بوضوح من أجل أهدافك ومبادئك الثورية الواضحة اللي لم يجرؤ كثير من إعلام المصلحة علي تزييفها, وممكن تقول أجوائها رجعت عزيمة كبيرة لناس كتير.

هناك 3 أنواع من الاشتباكات حدثت خلال يوم 19 نوفمبر


- أولاً طرد كلاب السيسي من صينية التحرير عبر فريق أعلام الشهداء. أقوي واقعة حققت مكسب يومها, تنضيف الميدان بأكلمه المملوك للثورة وفرض إرادة الثوار عليه لباقي اليوم.
- ثانياً اشتباكات كلاب السيسى مع المتظاهرين بعبد المنعم رياض كأنها كانت مسرحية عرائس وفيه حد بيحركها من ورا. قبل المباراة اشتباكات بين أبناء وأطفال السيسى مع أطفال التحرير, بدأت المباراة والكل انشغل فيها, بين الشوطين مسيرة من 150 واحد مؤيد للشرعية وصلت للصينية واشتباك وطردهم لعبد المنعم رياض, الشوط الثاني والكل انشغل, بعد انتهاء المباراة بقليل حدثت اشتباكات مرة أخري.

- ثالثاً اشتباكات جامعة الدول العربية هي عبثية لا معني لها ورغم إننا مرتحتش ليها عموماً, بس فائدتها لمجموعات معينة "علقة أو نمرة" علي الداخلية في ذكري ملحمة نضال, وفقاً لناس كتير حالتي الوفاة كانوا في اشتباكات عبد المنعم رياض مش جامعة الدول. والصراحة الأعداد سواء في الاشتباك نفسه أو ظهر الاشتباك كانت كبيرة تقريباً عدة مئات لحد 11 بليل, وده عدد كبير بمقارنته باشتباكات كتير في عهد مرسى استمرت أيام متصلة. وعشان كده مقدرش أقول أني معاها أو ضدها بصورة قاطعة, لأن فيه جوانب كتير تدخلت فيها.

ده تقييم وتحليل شامل لمجمل الأحداث والوقائع خلال اليومين اللي فاتوا, وهو رأى شخصى ممكن يحصل اختلافات أو إتفاق عليه.

 

الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

اقف .. وحدد منهجك عشان تقدر تكمل



الكلام ده موجه لفئات معينة حسيت فعلا بأفكارها ومشاكلها وعديت بمراحلها ..

الثورة مش مظاهرات ولا مليونيات ولا اسقاط نظام ولا شوية اشتباكات ضد الداخلية والعسكر والاخوان ولا مجرد قصاص لشهداء, حلم الشهيد بيتحقق لما انت نفسك تاخد مساره ومنهج حياته, لو مرسى أو غيره جه وكان أعدم كل قتلة الشهداء مكنش معناها أن الثورة انتصرت أو الشهداء ارتاحوا, الثورة هتنتصر لو كل واحد فينا خد طريق الشهيد وطبق أفكاره واحلامه فى حياته بالكامل ..


الثورة خلال السنتين ونص اللى فاتوا غير السنين الجاية, ممكن متلاقيش مليونيات أو خيام واعتصامات او تظاهرات كبيرة أو فعاليات يومية فى الاسبوع .. مينفعش تخلى وقتك كله للثورة فقط, الثورة ومبادئها أولوية فى حياتك بس لازم تشوف ظروفك وشغلك برضه عشان تعرف تكمل, لازم تدى نفسك طاقة إيجابية مع نزولك للهتاف والنضال, متوترش حياتك وتخليها كلها فى خناقات وأمنجية وتنظير وبس عشان تقدر تستمر ..


كل فترة لازم تعيد نظرتك للثورة وأهدافها وانت بتعمل ايه وعايز ايه, وضعنا دلوقتى غير من سنتين ونص, لو فكرت فى مليونيات واسقاط نظام وقصاص وإيد واحدة يبقى هتتعقد نفسيا وهتكتئب وتموت فطسان زى ما كتير من الشباب المخلصين بيحصلهم, الحل دلوقتى هو النضال والمقاومة بعيدة المدى مش مطلوب أهداف أو نتايج قريبة, الحل هو فضح النظام والمشاركة فى كل معارك العدالة والحرية والتوعية والوقوف مع المظلوم سواء تظاهر اعتصام مسيرة وقفة حتى لو مشارك فيها خمسة .. 


ممكن تدور على شغل قريب من الاهداف دى زى المجال الحقوقى أو الصحفى أو الميديا, وممكن تنزل وتشارك حتى لو بتشتغل فى مجالك العادى أو فى جامعتك, حتى لو كرهت عيشة البلد وعايز تسافر بره سافر واشتغل وتابع قضايا بلدك واحشدلها لها وانشر الفكرة ع النت .. دورك مش بس فى الشارع, لو مجرد نقاشك أو دعواتك للناس ونشرك للمبادىء على النت انت كده بتساهم و بتضيف, المهم تعلن عن نفسك وعن رأيك ومتتخلاش عن القضية .. حتى لو الكل ضدك, حتى لو الشعب مش فاهم, حتى لو كل فترة ممكن تكسب واحد بس يقف معاك أو مجرد توصله فكرة جديدة .. متستناش حاجة قريب أو إن ده ليه نهاية سينمائية فى الاخر , هى دى هتبقى حياتك ومنهجك على طول ..


وزى ما قال نبيل الحلفاوى

إحتج وذاكر .. ثور ودور على شغل..تابع قضايا بلدك وماتشات الكورة .. أصرخى واطبخى وروحى شغلك .. إغضب ولاعب ولادك .. اشتبك النهاردة واشبك حبيبتك بكره


ما يغركش العدد, مش مهم كام واحد معاك ؟ فكر فى عهد مبارك إزاى كانت مجموعة قليلة مكملة وبتناضل من وقفة لوفقة فى أجواء مستحيلة التفاؤل أو الحلم باى حاجة, الثورة بدات من قبل 25 يناير بسنين لما مجموعات آمنت بانها لازم تنزل تعبر عن نفسها ترفض الظلم وتحاول تغير ..


كلمات منقولة فكر فيها


الثورة، ليست مستمرة، وليست منتهية، بل وليست لها مقياس للنجاح او الفشل فـالثورة، موجودة، مثل ما النظام موجود، وسيظلون في حالة صراع ابدي وقد وجدنا هذا في 3 سنين، من بداية 25 يناير 2011 .. حتى الان، من خمول وموجات ثورية، ومن اشتداد قوة النظام، وارتخائها، وعليك ان تختار، إما النضال الدائم، او الانحياز لعبودية النظام الذي يحكمك

كل واحد من اللى ماتوا احنا هنكمل حياته .. احلامه هى احلامنا .. وابتساماته وتضحياته ..


النزول فى صف واحد سواء مع العسكر أو الاخوان مش محتاج نقاش ورغى كتير, معناه المجرد والمباشر خيانة المبدا, فاشيين ومجرمين وقتلة هيقتلوك ميت مرة فى أقرب فرصة و "انت" هدفهم عشان السلطة ومصالحهم تحت رعاية شئونهم المعنوية وميليشياتهم ..


** رأى شخصى فى الاخر


أنا خلاص كفرت بالسياسة بكل اشكالها وباى عمل سياسى, فعلياً مبقتش مقتنع الا بالشارع, مفيش دستور أو حكومة أو حزب هيمثلنى .. الغلابا البسطا المهضوم حقهم دايماً هما اللى بره اللعبة مرميين فى الشارع, مفيش دستور ومفيش رئيس ومفيش حكومة ومفيش دولة هتحقق حاجة, الظلم والقمع والطمع والاستغلال بياخد كل الأوجه والاتجاهات والتيارات فى شكل السلطة, مفيش سياسة أصلاً فى العالم والدنيا بتدور عبر منظومات تحتيه فى نمط محدد مبتخرجش منه , وكلهم أشكال بتتغير ورا بعض فى نفس الطريق .. الشارع هو الحل ..

أحمد عاطف
1 أكتوبر 2013

الخميس، 12 سبتمبر 2013

لحظات .. في مسار بطلة اخري ..





*** اللحظة الاولي : محيط سفارة إسرائيل -  بعد فجر يوم 10 سبتمبر 2011

- كانت الشمس قد بدأت في البزوغ , وما تزال الاشتباكات مندلعةً منذ قرابة الست ساعات بين قوات الأمن والجيش مع متظاهرين بمحيط السفارة الإسرائيلية بالقاهرة .. كانت تلك الفتاة ما زالت صامدةً مع عشرات قليلة من شباب ثائر أمام القوات المتحفزة .. بدأت الفتاة في الإنهاك التام بعد فقدانها الوعي عدة مرات من أثر قنابل الغاز القوية المفعول , فتعود مرة أخري إلي الصفوف الأولي بعد إسعافها , محاولةً إعادة القنابل مرة أخري تجاه الأمن حيث لمست - ولأول مرة - مدي وحشيته في التعامل مع المواطنين ..

- لم تكن تتخيل تلك الفتاة نفسها أن تصل إلي هذه المرحلة في يوم من الايام وجهاً لوجه أمام قوات الأمن من أجل فكرة .. أسترجعت سريعا ذكرياتها حيث زواجها منذ عدة سنوات وإنجابها طفل – أغلي ما تملك – وعلاقتها المتأصلة مع والدتها وأهلها .. لم تفكر يوماً الفتاة في المشاركة في تلك الأحداث السياسية أو الثورية , ولكن كيانها ارتج مع قتل الجنود المصريين علي الحدود علي أيدي العدو الإسرائيلي ..

- تذكرت أول علاقة لها بتلك الفعاليات عندما مرت في منطقة قريبة من منزلها في أواخر رمضان لتجد اعتصاماً أمام سفارة إسرائيل , شعرت هناك باجواء وروح جميلة وجديدة عليها , ما لبثت أن أصبحت دائمة المرور عليه .. ثم استعادت ذكري بداية اليوم بنزولها إلي مقر السفارة مع دعوات هدم السور العازل , وتسلق ذلك الشاب الذي يدعي أحمد الشحات للمبني ونزع العلم .. وتذكرت أيضاً صعودها المبني من داخله مع بعض المحتجين حيث خرج فجاة شخص ما يرتدي زي عسكري بلون أزرق من أحد الأدوار ليضربها بكوعه بكل وحشية فتدافع عن نفسها , وتستكمل طريقها إلي أعلي لتفريغ غضبها الطبيعي ..

*** اللحظة الثانية : مدخل قصر النيل بميدان التحرير – منتصف ليل يوم 17 نوفمبر 2011


- كان الظلام حالكاً أثناء توجه الفتاة إلي ميدان التحرير - قبلة فؤادها - بعد أن وصلتلها أنباء عن إقامة اعتصام جديد به تنديداً بحكم المجلس العسكري , حيث قد دعا إليه حازم أبو إسماعيل .. عند مدخل قصر النيل كانت هناك حواجز ولجان شعبية من ملتحين , فطلب أحدهم بطاقتها وكان يعتقدها ولداً من هيئتها , حيث كانت ترتدي كاباً وشعرها قصير وتلبس بنطلوناً برمودا , وعندما علم أنها أنثي رفض دخولها بحجة أنه لا مكان للسيدات داخل الاعتصام فحدثت مشادة كلامية بينهما , ثم قام رجل ملتحي آخر بوضع يده علي كتفها - وكأنه سيفهمها أمراً ما – ولكنها سرعان ما أدركت نيته الغير سوية فقامت بلوى ذراعه بسرعة , وآنذاك كان قد قدم اليها رفاقها من داخل الاعتصام ليتعاملوا مع الأمر ..

- كانت الفتاة لا تحتمل مزيداً من المشادات , فكانت تعاني بالفعل في تلك الفترة من إنفصالها عن زوجها وبعد ابنها عنها وخلافات أسرية مع والدتها , ولكنها كانت قد أدمنت ميدان التحرير .. مرت في خاطرها سريعاً ذكريات مشاركتها في مليونيات متتالية منذ أحداث سفارة إسرائيل وبياتها عدة ايام متيقظة تتفقد الأجواء بالتحرير وتعتني به وكأنه جزء منها ..

- لم تكن تدرك الفتاة بعد تلك الليلة الجديدة بالميدان التي أصرت فيها علي الاعتصام بعد انسحاب أبو إسماعيل وأنصاره منه , حيث بيتت مع عدد قليل من المعتصمين ومصابي الثورة – ستتحول إلي أكبر ملحمة في الثورة بعد فض الاعتصام بالقوة صباح اليوم التالي .. فقط هي اعتصمت لانها آمنت بفكرة وهدف ولن تتراجع عنه ..

*** اللحظة الثالثة : محيط مبني الضرائب العقارية بشارع منصور – مساء يوم 3 فبراير 2012


- كان الليل قد حل خلال ثاني ايام أحداث محمد محمود الثانية بعد مذبحة بورسعيد , كانت الفتاة في الصفوف الأولي حاملةً شنطة إسعافات أولية وترد قنابل الغاز المندفعة نحو الثوار , ثم لمحت شخصاً ما بأعلي سطح مبني الضرائب العقارية بشارع منصور .. نبهت رفاقها إلي ذلك ولكن فجأة ألقي الامن عدة قنابل علي الصفوف الأولي لترتد الحشود إلي الخلف .. وبعد انحسار الغاز فوجئت بدخان كثيف يتصاعد من دور علوي بمبني الضرائب , فاندفعت مع رفاقها إلي الباب وبدأوا في الطرق بقوة , ثم دوت فرقعة زجاج بطابق علوي وتصاعدت ألسنة اللهب من النافذة .. انضم اليهم الكثيرون حتي تم كسر الباب لعلهم يتداركون الحريق .. قام بعض الشباب بعمل سلسلة بشرية بعد أن صعد عدد منهم ومنعوها من الدخول رغم محاولاتها المتكررة ..

- خلال تلك اللحظة من الكر والفر , كانت الفتاة تسترجع ذكريات الفترة الماضية بعد عدة اشتباكات سقط فيها عشرات الشهداء .. تذكر الفتاة جيداً خلافات يوم الذكري الأولي للثورة حيث كانت تريد قصاصاً لا احتفالاً .. ثم حدثت مذبحة إستاد بورسعيد بمؤامرة دنيئة من الداخلية والعسكر - التي رجت روحها رجاً حتي انضمت إلي المسيرة المتوجهة عصراً إلي وزارة الداخلية حيث نشب الاشتباك بعدها ..


- في ذلك الحين أثناء وقوفها أمام مبني الضرائب , سقطت قنبلة غاز أمامها مباشرة لتفقد الوعي وينقطع حبل أفكارها ويتم نقلها إلي مستشفي ميدانية قريبة .. لم تكن الفتاة تعلم أنه تم التقاط صورة لها وهي تطرق بقوة باب مبني الضرائب أثناء احتراقه ستستخدم في الصحافة كدليل إدانة ضد المتظاهرين , لتكون مثار حديث طويل مع من يعرفونها ..

*** اللحظة الرابعة : أمام دار القضاء العالي – ظهر يوم 6 يونيو 2012


- كان وقت الظهيرة عندما تلقت الفتاة استغاثة من ذلك الشاب الرفيع الذي قدم هرولةً إلي ميدان التحرير مستنجداً بالمعتصمين لإنقاذ الثوار الذي تم ضربهم واحتجازهم داخل دار القضاء .. بسرعة توجهت الفتاة مع عشرات الشباب إلي هناك , حيث كانت اشتباكات تدور بمحيط المكان وينتشر فيه اشخاصٌ يرتدون زياً اسوداً يشبه زي الأمن , مما أدي إلي تراجع أغلب من كان معها , ولكنها تقدمت بثبات ووقفت أمام دار القضاء مطالبة باستعادة الثوار المحتجزين داخله ..

- فجاة انقض عليها شخص قوي البنية من الخلف وهاجمها اثنان آخران من الأمام أحدهما يرتدي الزي الاسود , ليبدأ الكل في ضربها بكل قوة .. قاموا بسحبها علي بطنها سحلاً وركلاً إلي داخل مبني دار القضاء , حيث كانت بطنها تحتك بالسلالم صعوداً .. قاموا باحتجازها داخل مكتب في الدور الأرضي ليستلمها مجموعة أخري بالضرب والتنكيل بها  بالأيدي والأرجل والعصي والكشافات مع  أقبح الشتائم , حتي وصل باقي المحتجزين وهم متهالكون من الضرب ..

- عادت بذاكرتها كيف وصلت لذلك الموقف , اعتصامها بالتحرير كان رفضاً قاطعاً منها للحكم الهزيل في قضية مبارك , وتوجهها إلي دار القضاء كان استجابة لاستغاثة ذلك الشاب الرفيع من أجل مباديء الحرية والكرامة ودعم حقوق المظلوم التي لم ولن تتراجع عنها , ولم تكن تعلم حينها أن هذا الشاب سيتم اعتقاله هو أيضاً فيما بعد , ويكون رابع متهم في قضيتها المشئومة ..

*** اللحظة الخامسة : قاعة 5 بمحكمة شمال القاهرة بالعباسية – ظهر 21 اكتوبر 2012

- كانت تلك جلسة النطق بالحكم بمحكمة العباسية بعد عدة جلسات متوالية لاستئناف الحكم بحبسها عامين .. كان تحلم بالبراءة بعد 4 شهور ونصف حبس ظلماً لتعود إلي ميدانها وابنها وأهلها .. تأملت جوانب القاعة حيث كانت والدتها وأختها الصغيرة وبعض المتضامنين ممن يحضرون الجلسة لدعمها مع المحامين الحقوقين بعد دفاع مستميت في تلك القضية المهلهلة .. نظرت فى العيون البريئة لهؤلاء الثلاثة شباب المتهمين معها في نفس القضية , والتفتت إلي الثلاثة وكلاء نيابة المفصولين الذين ظهروا فجأة وسط الجلسات كمتهمين معهم .. تساقطت الدموع من عينيها بغزارة وهي ترجوا الله في تلك اللحظة الفارقة ..

- استرجعت الفتاة سريعاً ذكريات تلك القضية المشئومة , والتي جائت وسط أمواج من الأحداث المتلاطمة في البلاد , فلم يتمكن أحد من تفاصيلها ومساندتها .. راجعت الفتاة في عقلها خيوط قضيتها حيث أنها أتهمت بضرب الأمن وتكسير نوافذ مبني دار القضاء واستعرضت القوة والبلطجة بتحريض من وكلاء النيابة المفصولين - الذين لا تعرفهم - ممن أقاموا اعتصاماً أمام دار القضاء حيث حدث الاشتباك , وتم الحكم عليهم خلال فترة وجيزة بالحبس سنتين وشهر .. تذكرت الفتاة أيضاً لقائها العابر مع ثوار آخرين معتقلين بحجز قسم الازبكية بعد القبض عليها بفترة , عرفتهم قصتها ليخرجوا ويحاولوا حشد المتضامنين بقدر استطاعهم في جلسات الاستئناف ..

- انقطعت ذكريات الفتاة مع النطق الصاعق بالحكم بتأييد الحبس عامين مع الثلاثة شباب الاخرين , وبراءة وكلاء النيابة أصحاب الاعتصام والقضية المتهمين بتحريضهم علي الاشتباك .. !! انهارت الفتاة باكية وهي تنظر نظرات زائغة إلي أهلها ومتضامنيها ومحاميها , تأملت القاعة وأرض الشارع طويلاً وهي تعلم أنها لن تطئها قدميها مرة أخري لفترة طويلة ..


*** اللحظة السادسة : زنزانة 7 جرائم نفس بسجن النساء بالقناطر – ظهر 11 سبتمبر 2013

- كان ذلك الصباح المتكرر الذي يمر علي تلك الفتاة داخل زنزانة 7 جرائم نفس بسجن القناطر , لم تعد تشعر بمرور الأيام بل حتى مرور الساعات والدقائق .. حياتها وأهدافها وعلاقاتها السابقة أصبحت مجرد ذكريات وأفكار متجمدة تجول في طرقات عقلها , لا يمكن أن تخرج إلي أرض الواقع .. رغم معاملتها القاسية أحياناً من بعض السجينات أو السجانات , ولكنها أصبحت جماد لا يشعر لا يمكنه أن يعترض أو يصرخ ..

- تذكرت محاولتها اليائسة لعد الايام أثناء جلساتها بمحكمة العباسية .. تذكرت إحساسها مرة بأمل وهمي بأحتمالية خروجها بعد مرور نصف المدة , حتي تلاشي تماماً مع تعنت الرئيس المعزول محمد مرسي وإهماله قضيتها .. تذكرت تمسكها بأمنية بعيدة بالإفراج عنها بإعتبارها من معتقلي الثورة , حتي تبددت برفض النائب العام طلعت عبد الله القاطع لطلبها .. أصبح كل المتبقي لديها عبارة عن أحلام واهية بقبول طلب أخير بوقف تنفيذ الحكم – إستشكال - والذي يتم تاجيله من جلسة إلي اخري بلا أدني رحمة .. استرجعت كل أفكارها عن حلم خروجها واستكمال الثورة مع الرفاق ضد كل من ظلم وطغي .. هدأ زخم عقلها تدريجياً واستكانت فى مكانها مستسلمة لقضاء الله ومصيرها الحالي ..

  

قضية معتقلى دار القضاء

- الفتاة البطلة هي ناهد شريف عبد الحميد – ناهد بيبو وابنها نور عمره 5 سنوات

- الشباب الابطال المتهمين معها .. هم اسامة صبري ومحمد عاطف وكمال محمد ( من استنجد بالمعتصمين في التحرير ) ..

- تحول هولاء الشباب إلي قصة كفاح معتقلين .. نضال ثورة من خلف القضبان .. حسب معلوماتي لم يحدث له مثيل بحبس اي شاب او فتاة فترة تتخطي العام منذ بداية الثورة في قضية لاحداث سياسية .. ناهد مازلت تقضي حتي الان فترة عقوبتها بسجن القناطر التي لن تنتهي قبل شهر يوليو 2014 والشباب يقضونها بسجن وادي النطرون , وامامهم اربع فرص – ربما قريبة او بعيدة - لتحريرهم ( قبول وقف تنفيذ الحكم – عفو رئاسي – الافراج عنهم في ثلاث ارباع المدة - قبول النقض وبدا جلساته ) .. ساندوهم وادعموا حريتهم ..




 




- ناهد بيبو .. وهى بتعد يوم يوم على مواعيد الجلسات.. منذ اعتقالها 6-6-2012..






- ناهد بيبو تكتب اغانى ثورية فى رسالة من داخل السجن بعد عام


- ناهد بيبو .. و
رسالة من داخل السجن بعد عام .. الى ابنها الوحيد نور 5 سنوات محرومة منه منذ عام.. ادعموها..




احمد عاطف

11 سبتمبر 2013